مراجعة لكتاب | الحجاج ابن يوسف

يسرد منصور عبدالحكيم في هذا الكتاب سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لقبته الدوله الأمويه بـ : ” سيف الدولة الأموية ” ..
اسمه : كليب بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن متعب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف . قيل أن معنى اسم الحجاج مبيد العظام ، نشأ معلماً للقرآن لصبية الطائف ، كانت الطائف وقتها تحت حكم عبدالله بن الزبير أول مولود في الإسلام الذي كان ندّاً للدوله الأمويه المتهالكة وقتها ، وقيل أن أصحاب عبدالله تجبروا على أهل الطائف فعزم الحجاج على الإنطلاق لحاضرة الخلافة الأموية دمشق ، وقد كان كارهاً لعبدالله محبّا للأمويين و أهل الشام ، وقتها كان الأمويين بين فتن و دولة ضعيفة وقد كان الأمويين أول من شرع التوارث في الخلافة فكان معاوية مؤسسها مؤسساً لهذا المبدأ بمشورة من المغيرة بن شعبة ، وقتها اجتمع بنو سفيان وبنو مروان لتسوية الخلافات و جعل الخلافة لمروان بن الحكم و تؤول من بعده لخالد بن يزيد بن معاويه ثم سعيد بن العاص لكن مروان نقض العهد فعهد بالخلافه من بعده لعبدالملك ومن بعده لابنه الاخر عبد العزيز وصرف النظر عن خالد لقلة خبرته .. فكانت الدولة الاسلاميه تتقاسمها خلافتان : الأولى عليها عبدالله بن الزبير تضم الحجاز والعراق ، والثانيه يتولاها عبدالملك بن مروان تضم الشام ومصر فورث عبدالملك عن أبيه دولة مفرقة متهالكة استطاع بحنكته و حسن ادارته لملمة بعثرتها و تقويتها ، وقيل عن العلماء أن خلافة عبدالله بن الزبير هي الخلافة الأحق لأنه بويع بها من قبل جمع المسلمين عدا بعض الصحابه وأن خلافة عبدالملك وأبيه باطله لأنه يعد خارجاً على عبدالله .. ويسرد الكاتب في أول فصلين سيرة الدولة الأموية وعبدالله بن الزبير وفتنة المختار الثقفي التي أبادها أخوه مصعب وينتقل في الفصل التالي لسيرة الحجاج فيذكر أنه انضم لإمارة الشرطة وقد عزم على تحقيق طموحه السياسي هناك فقربه روح ابن زنباع أمير الشرطه بعد أن وجد فيه حماساً وانضباطاً وقد كانت وقتها الشرطه في خلل عظيم انتظم بوجود الحجاج فقربه إليه وقدمه للخليفة عبد الملك فترأس الشرطة وضمّه فيما بعد للجيش الذي بعثه للعراق لحرب مصعب بن الزبير أخو عبدالله ولم يكن أهل الشام وقتها يخرجون للحروب فطلب من الخليفة أن يترك له المهمة فهددهم و أمهلهم ثلاث أيام إن لم يخرجوا بعدها ليقتلنهم وأهليهم وليحرقن بيوتهم فانتصر الأمويين وقُتل مصعب فانضم العراق لخلافة الأمويين وانحسرت خلافة ابن الزبير على الحجاز حتى ضاقت عليه فبقيت لديه مكة التي احتمى فيها ، فقرر عبدالملك ضمّ مكة لحكمه فبعث جيشاً يقوده الحجاج فكانت الفاجعه

التي ارتكبها ولم ينسها المسلمون قطّ فحاصر مكة و منع عنها الماء ليضعف مناصروا عبدالله ويضعفوا ويستسلموا ولم يكتفي بذلك بل رمى الكعبة المشرفة بالمنجنيق لأن الزبير كان احتمى بها ولكن لم يقدس الحجاج حرمة الكعبة فضربها حتى هدم جزئاً منهم و استمر حصاره و قتاله للزبير أشهراً طوال ، فعرض الأمان لأهل مكة فقبل بعضهم إلا أن الزبير لم يقبل فدخل الحجاج مكة و قُتل ابن الزبير ولم يكتفِ الحجاج بقتله بل قطع رأسه و أرسله للخليفة عبدالملك و صلب جسده في مكة و أبى دفنه حتى تأتي إليه أسماء أمه ابنة ابي بكر ترتجيه لينزله فكانت هذه عليه و أذلته أسماء بقولها وحين سمع عبدالملك أمره بإنزال جسده و دفنه وقيل أنه في فترة صلب ابن الزبير فاحت منه رائحة المسك .. وبعدها كان الحجاج والياً للعراق و قال فيها أشهر خطبه التي أرعبت أهل العراق ونبأتهم بجبروته وظلمه وقوة بأسه
وقد كان الحجاج كارهاً لأهل العراق حاقداً عليهم وكان يدعو الله أن يبتليه بهم ويبتليهم به فكان ظلوماً حقوداً ظالماً محباً لسفك الدماء فأخمد الفتن العظيمة التي كانت في العراق و طوعّها للأمويين وحكمها عشرين عاماً .. جرائم الحجاج تطول فبدئاً من قتله لابن الزبير( الذي كان  أبوه الزبير وأمه أسماء وجده أبو بكر وعمته خديجه وخالته عائشه و جدته صفيه ) ، مروراً برميه للكعبة بالمنجنيق فلم يراعي حرمة الله ولا حرمة البيت الحرام انتقالاً بجوره على أهل العراق و حبّه لسفك الدماء حتى قيل أنه بعد موته قُدّر عدد ضحاياه مئه وعشرون ألفاً ، و سوء صنيعه مع الصحابه الذين عاصرون كأنس خادم رسول الله وكره لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه و لصنيعه بعد فتنة ألمّت بالدولة الأموية وقد كانت فتنه عظيمة امتدت لسنوات وهي فتنة ابن الأشعث التي قتل بعدها الكثير من العلماء والناس الذين عادوه لظلمه و نادوا بخلعه ثمّ خلع الخليفة حتى قتله للعالم الجليل سعيد ابن جبير الذي أودى بحياته أخيراً ..
و كما قال ابن الذهبي فللحجاج حسنات مغمورة في بحر ذنوبه فقد عُرف بحبّه العظيم للقرآن وتعظيمه له حتى أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد قال : (ما حسدت الحجاج عدوالله على شيء حسدي اياه على حبه القران واعطائه اهله عليه وقوله حين حضرته الوفاة : اللهم اغفر لي فان الناس يزعمون انك لا تفعل )
وقد تبنى مشروع تنقيط القرآن ، و بلغت الفتوحات على يديه و توجيهاته مشارق الأرض و مغاربها فجعل الإسلام ممتداً كما لم يمتد في عصر أي خليفة من قبل و بعد .. وحدثت في عهده الكثير من الفتن على رأسها فتن الخوارج بفرقهم فأخمدها على يدي المهلب ابن أبي صفرة القائد التابعي العظيم الذي قضى تسع عشرة سنه يحاربهم فلم يقضي على شوكتهم غيره
ويجدر بي أن أذكر الفرق بين الشيعة والخوارج فالخوارج هم قسم من الشيعه يرون الخروج على الخلفاء جائزاً ماداموا ظالمين أما الشيعه فيرونه كفراً و إنما يجب السكوت عنهم حتى يخرج المهدي !
وكان من حسناته أيضاً بعده عن الخمر حيث كان يتعبد الله بذلك فقد قال مرةً : ( إني أنهى عملي عن الخمر ولا أريد أن أخالف ما أنهى عنه ) و روي عن غيرته على محارم الله فقد كان يمنع الدخول على بيوت النساء فيقول : ( لا يدخل رجل منكم بيت امرأه إني أنا الغيور ابن الغيور ) وكان محباً للفصاحة واللغه حتى انه كان يكرم الفصحاء ويذكر الكتاب مواقف طريفة له مع بعض فصحاء عصره .
و كان موقف البيت الأموي مختلفاً عليه فقد كان عبدالملك يحبّه حباً عظيماً ويعده سيفاً وقال عنه أنه الجلدة مابين عينيه وعقبه الوليد فشاطره ذات الحب وقال أنه جلدة وجهه كله ، أما سليمان أخو الوليد فقد كان يكرهه ويحقد عليه لكونه أراد خلعه من ولاية العهد لكيلا تؤول الخلافة بعد الوليد إليه وكذلك كان عمر بن عبدالعزيز يكرهه ولكن كان يكرهه لظلمه وحب سفكه للدماء حتى أنه قال عنه مرةً : أنت يا حجاج غشوم ظلوم حقود حسود ..
وقد تزوج الحجاج أربع نساء قيل أنه طلق اثنتين منهن واحداهن هند ابنة المهلب القائد العظيم ولكنها كرهته فيما بعد و زاد كرهها له حين حبس أخاها يزيد خوفاً من أن تؤول العراق إليه بدلاً عنه فكان ذلك سبب طلاقها وكانت امرأة حكيمه أذلت الحجاج وقد كان كارهاً لآل المهلب جميعاً خوفاً من أن تعلو شوكتهم عند بني أميّة !
وفي زمن الفتوحات أرسل الحجاج إلى سجستان عبدالرحمن ابن الأشعث لحرب ملكها رتبيل وكان الحجاج كارهاً لعبدالرحمن وقال : ما رأيته إلا وأردت قتله ، وكان ابن الأشعث يكن له الكره ذاته و ينوي خلعه ماسنحت له الفرصة ، كان ابن الأشعث ذا خيلاء لم يرى على الأرض خليفة قط الا و رأى أنه أحق منه بالخلافة وكان الحجاج يكره فيه خيلائه وكبره ، توجه ابن الأشعث لرتبيل وقاتله حتى خاف رتبيل فهادنه و يحكي تفاصيل ما حدث حتى رأى ابن الأشعث ومن معه أن يؤخروا الفتح سنة لكيلا يجتمع عليهم الأعداء فيكيدوا بهم و رأى الحجاج في ذلك ضعفاً و خنوعاً فأرسل ثلاث كتب أذلّ بها ابن الأشعث و وصفه بها بالجبان المستكين وأمره بإكمال الفتح ، فغضب لذلك ابن الأشعث و أشار للقوم أن الحجاج يريد هلاكهم فبايعهم أن لو خلعوه سيكون معهم فوافقه القوم على ذلك وليس ذلك غريباً فالجند من أهل البصرة والكوفه أي من العراق التي ذاقت من الحجاج وبالاً ونكالاً عظيماً وقد كان جيشاً عظيماً هاج فيه المسلمون على بعضهم بدل أن يتوجهوا على عدوهم و سمّيت الحادثه بفتنة ابن الأشعث فاستمرت ثلاث سنوات و ختامها كانت معركة دير الجماجم استمرت مئه يوم شارك فيها جمع من العلماء مع ابن الأشعث لجوره و ظلمه كسعيد ابن جبير و غيره و أرسل فيها عبدالملك للحجاج جيشاً يحارب به في هذه الفتنه العظيمة فدارت بينهم المعارك التي كاد ابن الأشعث ينتصر فيها لولا رجاحة أراء من مع الحجاج و طبيعة أهل العراق التي لم تفارقهم منذ عهد علي و و مصعب ابن الزبير والكثير الكثير من الخلفاء فقد كانوا يعزمون و يتعاهدون و سرعان ما ينكثون عهودهم و يستكينون إلى أهليهم ، ومن العجيب في هذه الفتنه التي توقفت على صفحاتها مطولاً صنيع ابن الأشعث إذ أنه عاهد رتبيل ملك سجستان أنه إن ثار على الحجاج وانتصر عفى عن الجزية التي كان يدفعها للمسلمين و إن خسر الحرب فإنه يلج إليه فيحميه و وافق رتبيل و تعجبت من ابن الأشعث فكيف يثق بمن ليس له إلٌ ولا ذمة و كان ذلك عليه فقد بعث الحجاج لرتبيل أن يبعث إليه ابن الأشعث على أن يمنع عنه الجزية زمناً فوافق رتبيل و قيل أنه بعث للحجاج بابن الأشعث ولكنه حاول الهرب فألقى بنفسه من سطح قصر فمات وبعث برأسه للحجاج ثم إلى عبد الملك ، وقد كانت فتنه عظيمة ما نجى منها أحد إلا و ندم ندماً شديداً لخروجه لذلك استقر القول في الفقه السني تحريم الخروج بالسيف على الإمام الظالم الفاسق وصار الأمن مقدماً على العدل ومن مقولات أهل السنه ( والٍ غشوم خير من فتنة تدوم ) و عرض الحجاج بعدها على من شارك في تلك الفتنه إما أن يشهد على نفسه بالكفر لخروجه عن الخليفة ويعيد البيعة للأمويين أو القتل ومن عارض ذلك كان القتل مصيره وشابه في ذلك مذهب الشيعه بتكفير من يخرج على الخلفاء ، أو أن يخرج مع جيش المسلمين للفتوح وفعل بعضهم ذلك .
و قيل أن عبدالملك عرض على ابن الأشعث أن يعود عن خروجه ويعزل الحجاج وله أن يختار أرضاً ليكون أميرها و مال ابن الأشعث لهذا العرض إلا أن جنده أبوا و قال أحد جنده بالخروج على الخليفة أيضاً فتحولت الفتنة من الخروج على الأمير الحجاج إلى الخروج على الخلافة بأسرها و أتخيل حجم الفتنة العظيمة التي ألمّت بالمسلمين حينها خصوصاً وقد شارك بها جمع من العلماء الذين تابوا عن ذلك لاحقاً لكثرة الدماء التي سفكت و تزعزع المسلمين حينها .. وقال الإمام أحمد ابن حنبل عن الفتن : لا تشقوا عصا المسلمين وتسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم وانظروا في عاقبة امركم واصبروا حتى يستريح بر ويستريح من فاجر .
ومن سوئات الحجاج ما حصل بينه وبين سعيد بن جبير : حيث أن الحجاج حين قدومه للعراق طلب من سعيد تولّي القضاء ولكنه رفض لأنه من الموالي و المسلمون لا يرضون الا قاضياً عربيا وهو محبّ للعلم والقاء الدروس في المساجد فأشار عليه الحجاج أنه سيولي القضاء للأشعري ولكنه لن يخطو خطوة الا ويستشير فيها سعيد ابن جبير فوافق ، حتى كانت فتنة ابن الأشعث فطلب ابن الأشعث من سعيد الخروج على الحجاج وقد خرج كارهاً ولكنه كان يكره ظلم الحجاج و جوره وما ان انتهت الفتنة هرب سعيد إلى أرض الله حتى ضاقت عليه فقرر الولوج لمكة سراً ولكن وليها ابن القسري أرسله للحجاج بعد مرور عشر سنوات على الفتنة ، وقد غضب الحجاج لذلك فقد كان عالماً بمكان سعيد وهذا مقطع مختصر للحوار الذي دار بينهما

وانتهى بقتل الحجاج لسعيد ابن جبير لقوله هذا :
قال الحجاج : يا سعيد ما أخرجك علي ؟
فقال سعيد : أصلح الله الأمير فأنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة و يصيب مرة
فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ثم عاوده في شيء
فقال سعيد : انما كانت بيعة في عنقي
فغضب الحجاج لكونه وفى ببيعة واحدة ونكث بيعتين له وللخليفة عبدالملك فقتله وقبل أن يُقتل سعيد ابن جبير رحمه الله قال : إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، استحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله .. وقد دعى ألا يسلط الله الحجاج على أحد من بعده فُقتل رحمه الله و بكى عليه المسلمون أجمع فقد كان تابعياً صالحاً عالماً وكان فيما قبل متعلما عند ابن عباس يقضي بين المسلمين في حضرته !
و أجاب الله دعوة سعيد فقيل أن الحجاج لم يقتل بعده أحداً وقيل قتل رجلاً واحداً فجائه دود في معدته يأكلها وقيل أنه سرطان المعده و أصابه شيء في عقله وكان يرى سعيد في منامه يقول له : يا عدو الله فيم قتلتني
فيقول الحجاج : مالي ولسعيد بن جبير مالي ولسعيد بن جبير .. فمات سعيد في شعبان وتبعه الحجاج وهلك في رمضان وكان في موته قصص : فقد قيل أن أهل العراق حين سمعوا بإشاعة موته فرحوا فخرج إليهم وخطب فيهم خطبة قوية يسبّهم فيها و قال فيهم قولاً عظيماً وقال :
ويروى أنه قيل له قبل وفاته: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئاً فليست هذه ساعة التوبة، وإن كنت محسناً فليست ساعة الفزع. وقد ورد أيضاً أنه دعا فقال: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل
فمات الحجاج في مدينه واسط التي شيدها فكانت مدينة مثالية و أوصى أن يصب على قبره ماء ليصبح طيناً فلا يعبث أحد بجثته ولم يترك بعده الا ثلاث مئة درهم و دروعاً نذرها لله ومصحفاً و قد كان كريماً يطعم الطعام غدائاً وعشائاً ، وفرح المسلمون فرحاً عظيماً بموته حتى أن الحسن البصري سجد شكراً لله حين بشر بموته وبكى ابراهيم النخعي فرحاً بموته
وقيل أن الحسن البصري لا يجلس مجلسا الا وذكر فيه الحجاج فدعا عليه فقال : فراه في منامه فقال له : أنت الحجاج ، قال : أنا الحجاج ، فقال : ماذا فعل الله بك ؟ ، قال : قُتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين ، قال : فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه والله أعلم
فكان موقف العلماء بعده أنهم لا يلعنون أحداً بعينه بل يقولون كما قال الله تعالى : (ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) فيلعنون الفعل لا صاحبه ، أما مسألة تكفيره فلا يجوز فقد عاصره صحابة صلوا ورائه وحجوا معه ومع ذلك لم يقولوا بتكفيره
فمات في خلافة الوليد بن عبدالملك وحزن عليه حزناً شديداً ومات بعده بشهور قليلة فجاء أخوه سليمان خليفة وقتل سائر أهله انتقاماً منه وقتل كل من ناصروه ومنهم قتيبه ابن مسلم القائد العظيم فتوقفت الفتوحات بمقتله على حدود الصين وانشغلت الدولة الأموية حتى سقوطها بالثورات والخلافات ولم تضف أي فتوحات بعد وفاة قتيبة رحمه الله
وقيل أن عمر بن عبد العزيز حين تولى الخلافة نفى كل من بقي من عائلة الحجاج من الشام .. وهكذا انتهى الحجاج بن يوسف الذي قال عنه الامام الذهبي : كان ظلوماً، جباراً خبيثاً سفاكاً للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة، وتعظيم للقرآن… إلى أن قال: فلا نسبهُ ولا نحبه، بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الايمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبهِ، وأمره إلى الله وله توحيد في الجٌملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة الأمراء
فحير الحجاج الناس فيما يحمل من متناقضات في شخصيته وترك للمؤرخين والكتاب عبر العصور والذين أوسعوه بالنقد واللعن الا قلة قليلة التي رأت أن مافعله الحجاج كان له مبررات سياسية في عصره وأنه كان مثل رجالات أي دولة في أي عصر فكان الرجل المناسب في المكان والزمن المناسب ، ويخالف الكاتب الحجاج وكل من يرى فيه ذلك لأن العدل خير من الظلم
قيل عنه :
الحسن البصري : انما هو نقمة فلا نقابل نقمة الله بالسيف عليكم بالصبر والسكينة والتضرع
عمر بن عبدالعزيز : لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم
وقال الذهبي عن عبدالملك بن مروان : كان الحجاج من ذنوبه
وقيل أن في تاريخ الحجاج بعضٌ من كذب سرده من عاداه من الشيعه وفي تاريخ الأمويين كذلك فقد كانت هذه الدولة في عرضة من الكذب لكثرة الفتن التي جابهتها !
و تذكرت حين قرأت الخاتمة ماحدث حين كنت في المكتبة أبحث عن كتاب عن الحجاج وكنت عزمت أن أخذ كتاب الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه للدكتور: محمود زيادة ولكن لفتني عنوان هذا الكتاب أكثر وظننت أن الكاتب ظلمه بهذا العنوان وكان يجدر به أن يكون حياديا فالمؤرخ لا يميل لأي جهة ولكن حين نقف على سيرة الحجاج يصعب أن نكون في حياد !
فالحجاج في ذمة الله إن شاء عذبه و إن شاء رحمه .. الكتاب يقع في 453 وخمسة عشر فصلاً أحسن فيها الكاتب سرد التفاصيل بدئاً من بعض تفاصيل دولة بني أمية إلى نهاية الحجاج وإن كنت أعيب عليه بعض الأخطاء الإملائيه و كثرة الإعادة ولكن الكتاب بالإجمال يستحق القراءة
ومابين حبّه لسفك الدماء وحبّه للقرآن أقف أنا في النهاية حائرة في شخص هذا الرجل الذي ملأ تاريخه بكل متناقض و ان كنت أوافقه على شدته على أهل العراق لكثرة فرق هذه الأرض ومذاهبها و طوائفها المختلفة المتناحره فيما بينها حتى أطلق عليها أنها أرض الفتن و الاضطرابات والاغتيالات السياسيه إلا أنني أعارضه في ظلمه وتجبّره فقد كان عمر بن عبدالعزيز عادلاً وكسب قلوب الناس ورضاهم و رضى الله أولاً .. بكيت على فصل سعيد بن جبير فكل من يسمع بخبر هذا الرجل ليبكي عليه و على موته رحمه الله
و أنكر على الأمويين وعلى الحجاج أيضاً صلبهم وقطعهم لرؤوس الناس بعد قتلهم ، وقد روي عن أسماء رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت فقال الحجاج مبير المنافقين
وقيل أن أسماء قالت للحجاج حين صلب ابنها أن الكذاب قد رأينها فإنه المختار الثقفي ” الذي قتله مصعب ابن الزبير ” وأما المبير فأنت .. والمبير أي المبيد !

الأوسمة:

10 تعليقات إلى “مراجعة لكتاب | الحجاج ابن يوسف”

  1. mohammed Alqarany يقول:

    عرضٌ رائعٌ، وسردٌ مؤصلٌ ماتع.
    جزاكِ الله خيراً يا رحاب، وزادني المولى وإياكِ من فضلهِ وواسعِ جودهِ وعطائهِ.
    تحيّة تليق.

  2. أوطـ الزمن ـار يقول:

    شيء جميل =)

    بورك فيك

  3. كاتب الأنثى يقول:

    مرحبا

    شكرا لك ع النقل و السرد البسيط للحجاج

    ومن منا لا يعرف الحجاج الذي تضرب به بعض الامثال

    شكراً لكِ للطرح

    كوني بخير
    :
    عبدالله

  4. shalan يقول:

    شكرا لك جهد كبير

    لعله من المصادفة اني اقرأ حاليا تاريخ الدولة الاموية والدولة العباسية

    بالتوفيق

  5. safaya يقول:

    لا بد أن أقرأه
    أحب حياة الطغاة والمختلفون ، وقواد الشعوب
    كأوباما .. وهتلر .. لكن الحجاج شديد الجاذبية لشخصيته
    عندي كتابه ، ولابد أن اٌقرأه

    شكراً لكِ

  6. أسماء يقول:

    مساء الألق ..

    تمتلكين نفساً طويلاً في الكتابة .. ” ماشاء الله :)

    إضافة لحبكة السرد وتسلسل الأفكار ، يجعل القارئ ينتقل من سطر لآخر بانسيابية مدهشة ..

    .. بورك مدادك … محبتي

  7. غربة إحســــــــاس يقول:

    موضوع جميل وجهد رااائع

    بورك المداد

  8. moath يقول:

    موضوع مميز وجهد جبار تشكرين عليه بصراحه :)

  9. IAyOuB يقول:

    لعل الله يرحمنا وإياه، احب ما كان يفعل من خير!!!

  10. Aseel Alrikabi يقول:

    ان كان الحجاج هو طاغية بني امية فأن مصعب بن الزبير الذي امر بقطع رأس 7000 اسير هو طاغية بني الزبير …فهل هذا كان سلوك الرسول محمد مع الاسرى ؟….لعن الله كل من يخفي الحقيقة لارضاء مصالحه ومعتقداته الشخصية والتعصبية…انظر الى التاريخ وستعرف ان ليس كل اب صالح ترك خلف صالح …هل سعد هو على نفس منهج المجاهد والده عمر ابن ابي وقاص ؟ هل سلوك اولاد الزبير هو على نهج جدهم ابن العوام ؟ ليس بالضرورة ان يكون الخلف صالح مثل ابائهم وبالعكس

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 26 other followers